ترى الباحثة سامية محمد، في تحليل نشره موقع «هورن ريفيو»، أن مصر تستغل تراجع سلطة الحكومة الفيدرالية الصومالية في إقليم باي، لتعزيز حضورها العسكري والدبلوماسي في الصومال، ضمن تحرك إقليمي يستهدف الحد من نفوذ إثيوبيا. وتوضح الباحثة أن امتناع القوات الإثيوبية عن التدخل في الصراع الداخلي الصومالي أتاح للقاهرة فرصة لتوسيع نفوذها، مستفيدةً من حاجة مقديشو إلى شركاء أمنيين ودعم دبلوماسي.
ويشير التحليل إلى أن الصراع في إقليم باي لم يعد يمثل نجاحًا واضحًا للحكومة الفيدرالية الصومالية، بل تحول إلى ساحة تنافس مفتوحة تتراجع فيها قدرة مقديشو على فرض سلطتها بالقوة. وفي المقابل، تستعيد القوات الموالية لعبد العزيز لفتاجارين، الزعيم السابق لولاية جنوب غرب الصومال، مواقع استراتيجية، ما يهدد الطريق الرابط بين مدينة بيدوا والعاصمة، ويكشف حدود النفوذ العسكري والسياسي للحكومة الفيدرالية.
تراجع سلطة مقديشو يفتح المجال أمام النفوذ المصري
تتقلص سلطة الحكومة الفيدرالية في إقليم باي على نحو يصعب التراجع عنه، فيما تستفيد من هذا التراجع القوات الموالية للفتاجارين، التي استعادت السيطرة على بلدتي بورهاكابا وقنسديري، وهددت الطريق المؤدي إلى العاصمة. ويكشف هذا التطور عجز القوات الحكومية عن الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها دون الحصول على دعم محلي.
وكانت مقديشو تسعى إلى إحكام سيطرتها على بيدوا عبر تنصيب إدارة جديدة بدعم منها، لكن هذه الخطوة أدت إلى تجدد الصراع بدلًا من حسمه. ولم يتحقق التسوية السياسية التي كان يُفترض أن تعقب استقالة لفتاجارين، بينما أثبت أنصاره قدرتهم على إعادة تنظيم صفوفهم وتأمين الإمدادات واستعادة الأراضي التي خسروها.
وبذلك، لم تعد سلطة الحكومة الفيدرالية في الإقليم سوى مجموعة من المواقع المتنازع عليها والتحالفات غير المستقرة. ويعكس هذا الوضع محدودية قدرة مقديشو على فرض إرادتها بالقوة وحدها، في ظل إخفاقها في بناء تحالفات محلية تضمن استمرار نفوذها دون الحاجة إلى تعزيزات خارجية متواصلة.
وفي خضم هذه التطورات، اتخذت إثيوبيا موقفًا يقوم على عدم التدخل في الصراع بين الفصائل الصومالية. فقد امتنعت قواتها المنتشرة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM)، وتحديدًا في القطاع الثالث الذي يضم مواقع في بيدوا ومناطق أخرى من ولاية جنوب غرب الصومال، عن تحويل وجودها العسكري إلى أداة لخدمة أحد أطراف النزاع الداخلي.
وعندما حاولت الحكومة الفيدرالية تصوير القوات الموالية للفتاجارين باعتبارها امتدادًا عمليًا لحركة الشباب، بهدف دفع القوات الإثيوبية إلى المشاركة في القتال داخل المدن تحت غطاء مكافحة الإرهاب، رفضت إثيوبيا هذا الطرح. وأصرت على التمييز بين مواجهة حركة الشباب، باعتبارها عدوًا مشتركًا، والنزاع السياسي الصومالي بشأن السلطة الفيدرالية، الذي يتعين على الأطراف الصومالية حله فيما بينها.
ولا يعكس هذا الموقف، بحسب التحليل، ضعفًا أو تراجعًا إثيوبيًا، بل رفضًا لتوظيف القوات الإثيوبية في مواجهة فصيل صومالي لصالح فصيل آخر. كما يحافظ على تركيزها العملياتي على مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، ويجنب جنودها الانخراط في حرب لا يملكون التحكم في نتائجها السياسية، بينما يتحملون تكلفتها الميدانية.
القاهرة تعزز حضورها العسكري والدبلوماسي لمواجهة نفوذ إثيوبيا
أتاح ضبط النفس الإثيوبي المجال أمام مصر لتوسيع حضورها العسكري والدبلوماسي في الصومال، مع تركيز واضح على الحد من نفوذ إثيوبيا، وليس بالضرورة على تحقيق الاستقرار في إقليم باي نفسه.
وتشمل المساهمة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال قوات ومركبات مدرعة ووسائل جوية، بالتزامن مع استعداد ضباط ومدربين مصريين لتوسيع نطاق الوجود العسكري. ويأتي هذا التحرك عقب رفع مستوى العلاقات المصرية الصومالية إلى شراكة، وإبرام بروتوكول للتعاون العسكري الثنائي، فضلًا عن تأكيد القاهرة ومقديشو رفض الاعتراف بأرض الصومال، في إطار دبلوماسي يستثمر المظالم والمخاوف الصومالية القائمة.
ويبدو هذا التحرك ظاهريًا استجابة لطلب صومالي مدعوم من الاتحاد الأفريقي، لكن التحليل يرى أن القاهرة تستغل الانقسام الداخلي الصومالي وامتناع إثيوبيا عن التدخل لتحقيق مكاسب استراتيجية. فمصر لا تملأ فراغًا ناجمًا عن ضعف إثيوبي بقدر ما تستفيد من فرصة سياسية أتاحها ضبط النفس الإثيوبي وتشتت القوى الصومالية.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن مصر لا تعمل بالضرورة على تثبيت سلطة الحكومة الفيدرالية في إقليم باي، حيث تتواصل خسائرها الميدانية، وإنما تسعى إلى توسيع نفوذها على توجهات الصومال وتحالفاته الإقليمية، في وقت تبحث فيه مقديشو عن شركاء جدد، وتبدي استعدادًا لمنحهم فرصًا للوصول والتعاون مقابل الدعم السياسي والأمني.
ويجسد الإطار الرباعي الذي أُعلن في العلمين في أكتوبر 2026 هذا التقارب؛ إذ جمع مصر والسودان وإريتريا والصومال في قمة أصدرت وثيقة أكدت وحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفضت الاعتراف بأرض الصومال، ودعت إلى توفير تمويل مستدام لبعثة الاتحاد الأفريقي، كما أشارت إلى القانون الدولي المنظم للأنهار العابرة للحدود دون تسمية سد النهضة أو إثيوبيا صراحةً.
ويرى التحليل أن أهمية البيان المشترك لا تقتصر على مضمونه المعلن، بل تمتد إلى إنشاء آلية تشاور دائمة بين أربع دول تتقاطع مصالحها في الحد من النفوذ الإقليمي الإثيوبي. ويكتسب انضمام الصومال إلى هذا الإطار أهمية خاصة، لا سيما أن مشاركته جاءت بعد أيام من زيارة الرئيس حسن شيخ محمود لإثيوبيا، ما يعكس سعي مقديشو إلى موازنة علاقاتها، حتى مع تزايد مؤشرات التقارب مع محور تتعارض مواقفه مع إثيوبيا بشأن البحر الأحمر ونهر النيل.
ولا تسعى مصر، وفقًا للتحليل، إلى فرض قطيعة رسمية وفورية بين الصومال وإثيوبيا، بل تعتمد استراتيجية تدريجية تسمح بتعميق التعاون العسكري والتدريب والتنسيق الدبلوماسي، مع تجنب التكلفة المباشرة لحدوث قطيعة معلنة. فكل فريق تدريب مصري، وكل مشاورات دفاعية ثنائية، وكل إعلان مشترك، يضيف مستوى جديدًا من الاعتماد والتقارب، ويضيق هامش قدرة الصومال على التوجه نحو إثيوبيا.
كما أن الوجود المصري في جنوب غرب الصومال، سواء جرى تقديمه باعتباره جزءًا من البنية التحتية لبعثة الاتحاد الأفريقي أو منشآت مخصصة للتدريب الثنائي، قد يرسخ حضورًا مستمرًا ذا تداعيات سياسية، حتى دون إنشاء قاعدة عسكرية رسمية على غرار القواعد الأجنبية في جيبوتي.
ويخلص التحليل إلى أن مصر تستغل ضعف الحكومة الفيدرالية وتفكك سلطتها وحاجة الصومال إلى شركاء أمنيين لبناء نفوذ يصعب تحقيقه عبر مواجهة مباشرة مع إثيوبيا. فالعلاقة بين القاهرة ومقديشو تقوم على تبادل المصالح؛ إذ تحتاج الحكومة الصومالية إلى الدعم الأمني والغطاء الدبلوماسي، بينما تسعى مصر إلى ترسيخ وجودها والحصول على نفوذ في المحافل الإقليمية التي تشهد خلافات بشأن المواقف الإثيوبية.
مخاطر تحول الصومال إلى ساحة تنافس بالوكالة
يحذر التحليل من أن تعميق الحضور العسكري المصري، حتى تحت مظلة بعثة الاتحاد الأفريقي، قد يزيد احتمالات تحول الصومال إلى ساحة أكثر حدة للتنافس بالوكالة، حيث تسعى القوى الخارجية إلى استقطاب حلفاء محليين، بينما تبحث الفصائل الداخلية عن رعاة خارجيين، في دائرة تعزز نفسها باستمرار.
ويشهد إقليم باي بالفعل تنافسًا بين القوات الفيدرالية والمقاتلين الموالين للفتاجارين وحركة الشباب. ومن شأن توسيع الدور المصري عبر التدريب والدعم الاستشاري أو التعاون الأمني المباشر مع مقديشو أن يضيف طرفًا خارجيًا جديدًا إلى ساحة مزدحمة بالمصالح المتعارضة، في وقت تتداخل فيه خطوط مكافحة الإرهاب والصراع السياسي الداخلي والاصطفافات الإقليمية على نحو متزايد.
ويؤكد التحليل أن الأولوية المصرية تتمثل في الحد من النفوذ الإقليمي الإثيوبي، والتأثير في معادلات البحر الأحمر، وتعزيز أوراق الضغط المرتبطة بقضايا نهر النيل. وبذلك، يصبح الاستقرار الصومالي وسيلة لتحقيق هذه الأهداف، وليس غاية مستقلة في حد ذاته، وهو ما يثير مخاطر التصعيد في دولة تعاني تفكك السلطة وتعدد الفصائل المسلحة.
وفي المقابل، ترى الباحثة أن الموقف الإثيوبي يظل متماسكًا من الناحية الاستراتيجية، لأنه يرفض الانجرار إلى دور أمني تسعى مقديشو إلى إسناده إليه. وتحافظ إثيوبيا على وجودها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي في إطار مكافحة الإرهاب، وترفض قتال القوات الموالية للفتاجارين استنادًا إلى تفويض موسع يتجاوز مهمتها، كما لا تتعامل مع الخلافات السياسية الصومالية باعتبارها اختبارًا للولاء.
ويساعد هذا النهج إثيوبيا على تجنب تحميلها مسؤولية نتائج الصراع في بيدوا، مع الحفاظ على علاقاتها بمختلف المناطق والقوى الصومالية، وإبقاء تركيز قواتها منصبًا على التهديد الأمني الذي تعتبره الأكثر أهمية.
كما يحرم هذا الموقف مصر من تقديم رواية مبسطة تصور إثيوبيا باعتبارها طرفًا مزعزعًا للاستقرار، والقاهرة باعتبارها شريكًا يسعى إلى تحقيقه. فامتناع أديس أبابا عن التدخل لا يعني السلبية، بل رفض قبول دور يخدم أجندة سياسية لدولة أخرى، مع الحفاظ على خياراتها ومصداقيتها كشريك في مكافحة الإرهاب.
ويختتم التحليل بالتأكيد أن التقارب المصري مع دول المنطقة وتعميق الحضور في الصومال يمثلان جزءًا من تحول إقليمي واحد، تسعى القاهرة من خلاله إلى بناء تحالف يحد من نفوذ إثيوبيا، بينما ينخرط الصومال فيه عبر الدعم العسكري والاهتمام الدبلوماسي اللذين سعت إليهما مقديشو بنفسها.
ورغم أن مصر لم تفرض حتى الآن قطيعة رسمية بين الصومال وإثيوبيا، فإن تراكم الوجود العسكري وعلاقات التدريب والأطر الدبلوماسية قد يجعل هذه القطيعة أكثر احتمالًا بمرور الوقت. ولا يكمن الخطر بالضرورة في حدوث انفصال مفاجئ بين البلدين، بل في ترسخ خطوط الاصطفاف تدريجيًا حتى تفقد مقديشو قدرتها على الموازنة المستقلة بين شركائها.
ويظل إقليم باي الاختبار الأبرز لهذا التحول؛ إذ تتراجع سلطة الحكومة الفيدرالية لصالح أنصار الزعيم السابق لولاية جنوب غرب الصومال، بينما تبني مصر بهدوء علاقات وحضورًا قد يعيدان تشكيل تحالفات الصومال لسنوات مقبلة. ويطرح ذلك سؤالًا محوريًا: هل يتحول النزاع في الإقليم إلى نموذج لصراع إقليمي أوسع بالوكالة، ساهمت النخبة السياسية الصومالية نفسها في تهيئة ظروفه، دون أن يكون في مقدور أي شريك خارجي حله نيابةً عن الصوماليين؟
https://hornreview.org/2026/10/19/how-egypts-opening-could-take-shape-in-southwest-somalia/

